محمد بن زكريا الرازي

148

الحاوي في الطب

البرد في ذلك الزمان ويكون سكونها أبطأ ، لأنه يحتاج في سكونها إلى أن ينضج أو يتحلل ، وبرد الهواء مانع من ذلك وتكون معاودتها أقل ؛ وذلك أن المعاودة تحتاج إلى حركة ، وبرد الزمان يمنع من ذلك . ومن شكا في حمى سليمة صداعا ورأى أمام عينيه شيئا أسود فإنه متى أصابه مع ذلك وجع في فؤاده حدث له قيء مراري ؛ فإن أصابه مع ذلك نافض وكانت النواحي السفلى مما دون الشراسيف منه باردة كان القيء أسرع إليه ، فإن تناول في ذلك الوقت طعاما أو شرابا أسرع إليه القيء جدا . لي : وهذا الصداع والتخييل إنما هو من بخار المرة الصفراء ، فإن الصفراء إذا سخنت سخونة شديدة تحترق ويرتفع منها بخار أسود فيكون منه الصداع والتخييلات الشبيهة بتخييلات من يعرض في عينيه الماء ؛ والفرق بين هذا البخار وبين الصاعد من الرئة هو أن البخار الصاعد من المعدة يحس معه بلذع في فم المعدة ، لأنها تحس بلذع تلك الصفراء التي عنها يصعد ذلك البخار ؛ وأما الصاعد من الرئة فإنه لا يحس منه صاحب الصداع في الصدر بلذع ؛ وذلك أن الرئة لا تحس هذا الإحساس ، فأما فم المعدة ففي غاية الإحساس . واختلاج الشفة السفلى أيضا يدل على القيء أكثر من كل شيء وأسرع ؛ وذلك أن الطبقة الداخلة من المعدة هي التي تغشي المري واللسان والحلق وجميع الفم ، وكل أجزاء هذه الطبقة متصلة ، فهي التي تحرك الشفة السفلى إذا حدث لها لذع في فم المعدة من حدة المرار ، وذلك أن شأن هذا المرار أن يطفو - لخفته - في فم المعدة ؛ فإن عرض في ذلك الوقت نافض كان القيء مع إسراعه غزيرا كثيرا ، لأن النافض في أكثر الأر يحدث قيء مرار ؛ فإن تناول في ذلك الوقت طعاما أو شرابا حدث القيء أسرع ، لأنه يفسد بذلك المرار وتكثر كميته فيكون أسرع للقذف فيخرج . ومن بدأ به هذا الصداع من أصحاب هذه الحميات منذ أول يوم حم فإنه أحرى أن تشتد به في الرابع والخامس ، ويكون بحرانه في السابع ؛ فأما أكثرهم فإنه يبتدئ بهم هذا الصداع في الثالث منذ حموا ويشتد بهم في الخامس ثم يجيء البحران في التاسع أو الحادي عشر . ومنهم من يبتدئ به الصداع في الخامس وينقضي في الرابع عشر ، والذي يعم جميع هؤلاء أن يجيئهم في السابع منذ يوم يصدعون ، لأن الوجع الذي ابتدأ في الأول جاء هذا البحران فيه في السابع ؛ وأما الذي ابتدأ به الصداع في الثالث فبحرانه تجده بهذا القياس أن يكون في العاشر ، لأنه السابع من الثالث إلا أن هذا اليوم ليس بيوم بحران فإن البحران إما أن يتقدمه فيجيء في التاسع وإما أن يتأخره فيجيء في الحادي عشر بحسب حركة المرض ؛ فإنه إن كان إلى الحدة أميل واتفق للعليل ما يوجب ذلك مال إلى التاسع وإن اتفقت أضداده فإلى الحادي عشر .